فقه العلامة محمدْ والدْ بن خالُنا الديْماني بقلم / الدكتور يحيى ولد البراء
فقه العلامة محمدْ والدْ بن خالُنا الديْماني بقلم / الدكتور يحيى ولد البراء
بسم الله الرحمن الرحيم
وبعد فإن الكلام على محمدْ والد ذو شجون نظرا لتعدد مواهبه واختصاصاته ونظرا لأهمية آثره وتميزها عن الخط العام للتأليف المعهود في النمط العربي الإسلامي.
ولكسب الوقت فسأتجه مباشرة إلى جانب عطائه الفقهي ذلك العطاء الذي سنحاول عرضه من خلال مصدريْن هما فتاويه وشرحه على المختصر إذ هما ما استطعنا الحصول عليه من إنتاجه الفقهي.
فنقول إن هذا الرجل نتاج مدرسة فقهية قديمة في البلد فأشياخه كلهم ينتمون إلى مدرسة واحدة تنتمي إلى فقه علي الأجهوري أو فقه المغاربة قبله. فأشياخه العديدون يصدرون من هذه المدرسة.
ومن تتبع مسالك تكوين شيوخ فقهاء البلد التي استطعنا جمعها، أمكننا التعرف على مدرستين كبيرتين ترجع إليها أغلب أسانيدهم:
- مدرسة الحطاب وهي التي تشعب منها الفقه في الجهات الشرقية والشمالية والوسطى من موريتانيا. وهذه المدرسة هي التي نسميها الرافد السوداني المصري مجسَّداً في مدرسة تنبكتو وولاته وودان إلخ.
- مدرسة الأجهوري وهي التي تشعب منها الفقه في الجهات الجنوبية والغربية والشمالية من البلاد. وقد اشتد الاعتماد على هذا الرافد في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين.
ولا شك أن ثمت روافد أخرى قد لا تمر بهذين الفقيهين إلا أننا أغفلنا ذكرها نظرا لعدم انضباطها وانطماس أغلب حلقاتها. من أهمها الرافد المغربي الذي اشتد الإقبال عليه خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين. وكانت القيروان وفاس والزوايا العلمية بالجنوب المغربي مراكز إشعاعه بالأساس.
ومن الغني عن البيان الإشارةُ إلى وجود مدارس فقهية قديمة في موريتانيا. فمجتمعات هذه البلاد لم تخل في أي حين من ماضيها الإسلامي من فقهاء تدور عليهم خطة الفتوى والقضاء من عهد المرابطين على الأقل وإن غمت علينا أخبارهم وانطمست آثارهم.
ولقد كان محمدْ والد فقيها كما يبرز لنا ذلك في كتابه "المعين" الذي هو أهم أثر فقهي بقي له. ففتاويه قليلة ورغم البحث الطويل لم أستطع أن أحصل على شيء منها ذي بال اللهم إلا أسئلته لشيخه الأمين بن الماحي التي هي في الحقيقة فتاوى له هو لأنها بصياغته. ومن أهم ما نقله في هذه الأسئلة قوله:
“سألت الفقيه الأمين بن الماحي عن حكم السفر إلي سفن النصارى وقصر الصلاة إليها فقال : أعهد شيخنا مينَّحنَ يقول : أدركت ثلاثة ممن يقتدى بهم من أسلافنا لهم في شأن السفر أحكام مختلفة: أبو حيد المُختار بن يحيي وكان أورع أهل زمانه. وصبارَه بن بابحمد وكان كذلك. والفقيه الفاضل بن باركلل. فأما الأول فكان لا يتسبب في شأن العلك وكان إذا تأهب له أولاده ينهى من يأتمر بأمره أن يعينوهم ولو بحِلاب بقرة. وأما الثاني فكان يسعي في تحصيله ويحمله إلي السفن الغربية، فإذا أتي المرسى قال لمجير السفن: “هذا العلك بعته منك بكذا فاصنع به ما شئت. وأما الثالث فإنه كان يتدبر فيه ويتجرُ به ويبيعه للنصارى، فإذا أخذ ثمنه قال: “تأولت فيه معتمدا على قول خليل: “واغتفر غرر يسير للحاجة لم يقصد”. وكان شيخنا مينَّحنَ يُتم في ذهابه ويقصر في إيابه. وأعهد أنا مُحَمَّد العاقِل كذلك".
ومن فتاويه أيضا جوابه لسؤال من أكابر تاشمشه عن عادة أوائلهم وسيرتهم مع الموالي وفيما يأخذه الجزار من الذبائح ، وما يأخذ الأجير في الآبار، وما يتعلق بذلك من غداء وعشاء على طيّها، وعدد الليالي التي يأخذها الراعي من البقرة عند ولادتها، وقسم لحوم أولادها، وغير ذلك من شيم الزوايا وعوائدها الممدوحة الحسنة شرعا وعادة.فأجاب: "إن الأصل في الذبيحة أن أبهنض أوبك رحمه الله كان له تلامذة كثيرة وكان إذا ذبحت ذبيحة في حلته قام منهم اثنان يصلحانها لربها ويعطيهم رأسها وعظم ذنَبها، فلما كان بعض الأيام ذبحت ذبيحة في حلته و لم يحضرها، فقام مولاه ابياج وأصلحها، وزاد رب الذبيحة عظم الرقبة، فما زاد على هذا فيما أحدثه الناس إلى أن صار الرأس بعد ذلك للتلاميذ إن وجدوا وإلا فالصانع وإلا قسم بين رب الذبيحة ومواليه...الخ".
ومن فتاويه أيضا سؤاله الذي هو في الحقيقة فتوى وال1ذي وجه به لشيخه محمد العاقل عن حكم ما تخرج منه زكاة الفطر قال :
إلى الخيّر النحرير أستاذنا الحَبر
وقاضي قضاة العصر زينة ذا الدهر
سلام وإكرام وأغنى تحية
من المفرط المفرّط الجاهل الغمر
أيا شيخَ أشياخي ويا واحد الدهر
و يا غرة الإسلام يا جامع الفكر
لقد كنتُ مجهالا بالآحكام كلها
ومالي على فرط الغواية من صبر
فالآن أجيبوا داعيَ الله عمدتي
جزاكم إله العرش عنيَ بالخير
جوابا جديرا عن سؤالي: فهل لنا
تجوز زكاة الفطر من غير ذي العشر
كفى اللبن المحض الذي هو قوتنا
ولو كان وقت الصيف نقتات بالغير؟
فأجابه محمد العاقل، من الطويل :
عليك من الرحمن أزكى تحية
وأنمى سلام فائحيْنِ مدى الدهر
وجاد بعفو شامل عم سيبه
ذنوبك حتى ما تقولتَ في الشعر
على أنني فيما تقولتَ منشدٌ
ولا هضم ما قالته بعض ذوي الخير
"سترت عيوبي كلها عن عيونهمْ
وألبستني ثوبا جميلا من الستر
فصاروا يحبوني ولست أنا الذي
يحب ولكن شبهونيَ بالغير"
سماع فمالي من جواب محرر
ويشفي ذوي الألباب من غلة الصدر
سوى ما عليه المعشر الضخم أنها
حرام مع الوجدان إلا من العشر
"تشق عسا زاد" فتلك رموزها
وزد ذرة نجيت من ظلمة القبر
وما كل ذي عشر يروج رواجها
إذا نصب الميزان في موقف الحشر
فثمَّ حكايات لجدك تنتمي
"أمين" ولكن حرر النقل عن غير
وأما أقاويل الفحول التي ترى
سقوطا أو التخفيف بالوسع في الأمر
فلسنا إليها إننا مالكيةٌ
ندور مع المشهور في السهل والوعر!
وهو يريد بعبارة تش عسى زاد: للتمر، وللشعير، والقمح، والعدس، والسُّلت، والأرز، والزبيب، والأقِطِ، والدخن.
ولقلة فتاويه الموجودة بأيدينا فسنرجع إلى شرحه "شفاء الغليل وراحة العليل في شرح مختصر الشيخ خليل" الذي يعد أول شرح للمختصر في المنطقة الغربية من موريتانيا المعروف لدى العامة باسم "معين والد" والذي من الغريب أن النابغة الغلاوي لم يتعرض له في نظمه للكتب المعتمدة وغير المعتمدة في الفقه المالكي بالرغم من أنه تعرض لمعين حيبل بن القاضي المتأخر عنه في الزمان والذي كاد أن يخفيه حتى قال أحد العلماء إنه قارن بين المعينين فلم يجد خلافا بينهما في اللفظ إلا في صلاة الجنازة يقول أحدهما عند قول صاحب المختصر: "وشد لحييه إذا قضى"، بخرقة ونحوها ويقول الآخر بحبل أو نحوه.
والدرس الفقهي المالكي عند أبناء موريتانيا يرتكز على مختصر أبي المودة خليل بن إسحاق الجندي (ت. 776هـ)، فقد رضوا بهذا الكتاب عن سواه من كتب الفقه الأخرى سبيلا تبرئ ذممهم في الدين، وتقليدا ممتثلا لشيوخه وأئمته، متابعة لأحمدُ بابَ التنبكتي (ت. 1036هـ) في قولته المشهورة التي نقل عن ناصر الدين اللقاني (ت. 957هـ): "نحن قوم خليليون إن ضل ضللنا".
قال الشيخ العدوي في حاشيته على المختصر: "إن الاشتغال بمختصر الشيخ خليل أنفع من الاشتغال بالمدونة لما اشتمل عليه من زيادة المسائل عليها من بيان اختلاف المشايخ في فهمها وتأويلها وتحرير العبارة وتهذيبها والاقتصار على الراجح والمشهور".
وقال الحطاب في مقدمة حاشيته: "وكان من أجل المختصرات على مذهب الإمام مالك، مختصر الشيخ العلامة ولي الله تعالى خليل بن إسحاق الذى أوضح به المسالك، إذ هو كتاب صغر حجمه، وكثر علمه، وجمع فأوعى، وفاق أضرابه جنسا ونوعا، واختص بتبيين ما به الفتوى، وما هو الأرجح والأقوى، لم تسمح قريحة بمثاله، ولم ينسج ناسج على منواله، إلا أنه لفرط الإيجاز، كاد يعد من جملة الألغاز".
ومن خصائصه كما قال سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم أنه يحافظ كثيرا على رسوم المدونة أي ألفاظها.
ولقد حظيّ هذا المختصر بعناية خاصة من كافة علماء الامصار الإسلامية فوضعوا عليه ما يناهز المائة من الشروح والتعاليق والطرر والأنظام والاستدراكات التي تدور حول نصه وتتبع شوارده ونواقصه.
يقول الحطاب أيضا: "وقد اعتنى بحل عبارته، وإيضاح إشارته، وتفكيك رموزه، واستخراج مخبآت كنوزه، وإبراز فوائده، وتقييد شوارده، تلميذُهُ العلامة الهمام، قاضى القضاة تاج الدين أبو البقاء بهرام بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر بن عوض الدميري القاهرى رحمه الله فشرحه ثلاثة شروح، صار بها غالبه في غاية البيان والوضوح. ... ثم شرحه جماعة من المتأخرين وسلكوا نحوا من ذلك. وبقيت في الكتاب مواضع يحتاج إلى التنبيه عليها، وأماكن يتحير الطالب اللبيب لديها، فتتبع الشيخ العلامة مفتي فاس وخطيبها ومقرئها أبو عبد الله مُحمَّد بن أحمد بن علي بن غازي المكناسي رحمه الله من ذلك أماكن كثيرة، وفكك مواضع من تراكيبه العسيرة، فأوضحها غاية الإيضاح، وأفصح عن معانيها كل الإفصاح".
وقد تابع الفقهاء من موريتانيا شرح هذا المختصر والتعليق عليه، وأكثروا القول فيه إطراء ومدحا وأبانوا حجية ما يحتويه من مسائل الفقه ونبهوا على ما امتاز به من دقة في العبارة.
يقول عنه الفقيه أحمد بابَ التنبكتي في كتابه نيل الابتهاج ما نصه: "لقد وضع الله القبول على مختصره وتوضيحه إلى الآن، فعكف الناس بهما شرقا وغربا حتى لقد آل الحال في هذه الأزمنة المتأخرة إلى الاقتصار على المختصر في هذه البلاد المغربية من مراكش وفاس".
ويقول محمد البشير بن الحاج الهادي الإيديلبي (ت. 1197هـ): "وأما مختصر سيدي خليل ونظم ابن عاصم رحمهما الله تعالى من النصوص، معمول به ومعول عليه في مذهب مالك رحمه الله تعالى ومن أبطل ما فيهما بالكلية فلا يعمل بقوله ولا يلتفت إليه لأنهما لهما نحو خمسمائة (500) سنة تتعاطاهما الأئمة شرقا وغربا إلى الآن حتى صارا في الفروع الظنية كالمتواتر على صحة ما فيهما".
ويقول الشيخ مُحمَّد المامي بن البخاري في نفس السياق في نونيته الدلفينية:
وكل ما سكتت ألفاظ مختصر
عنه كما سكت المولى وياسين
والعلما مستفاد من سكوتهم
مثل الجواب فلا تنسى الديامينُ
ويبدو أن المختصر أصبح أهم متن معتمد في الفقه المالكي في هذه البلاد منذ القرن 10هـ/16م على الأقل، في التدريس والإفتاء. خاصة أنه لم يعرف في المنطقة إلا خلال القرن التاسع الهجري وإن دخل إلى فاس بالمغرب سنة: 803هـ. وشاهدُ ذلك أن اللمتوني في أسئلته للسيوطي لم يذكره من بين الكتب المالكية المدرسة حينذاك.
ويرجح هذا القول ما أورد فتح الشكور من أن محمود بن عمر بن مُحمَّد أقيت (ت. 955هـ/1548م) كان درس في ولاته ثم رجع إلى تنبكتو سنة 885هـ/1481م وأصبح قاضي تنبكتو وهو الذي نشر تدريس مختصر خليل في تنبكتو.
ولقد اهتم الفقهاء في هذه البلاد بمختصر الشيخ خليل بن إسحاق اهتماما بالغا وأولوه من العناية مبلغها. يتجلى ذلك في الشروح الكثيرة التي قاموا بها وكان المختصر موضوعا لها.
ولا غرابة في ذلك فالفقه باعتباره أحكاماً للحوادث: نصا أو استنباطا وفق مذهب من المذاهب تنوعت دواعي تقريبه من فقيه لآخر ومن عصر لآخر. لذا لم يؤلف كتاب في الفقه الإسلامي إلا وكان لصاحبه داع منهجي معين وهدف مقصود يرمي إليه. وهذا الداعي ما هو إلا محاولة تلبية حاجات المتفقهة إلى فهم الفقه، وإجابة الفقيه بأسلوب يناسب هذا المتفقه أو ذاك.
ولقد أحسن أبو عبد الله الخرشي (ت. 1101هـ) تقرير هذه الحقيقة في شرحه على مختصر خليل حينما قال: "اعلم أنه قد اختلفت مقاصد الفقهاء والمحدثين فيما يبتدئون به كتبهم بحسب اختلاف أغراضهم فيما قصدوا تبيينه من أحكام".
ومن أقدم شروح المختصر في هذه البلاد حسب ما استطعنا الوقوف عليه هو كتاب: "موهوب الجليل شرح مختصر خليل". وقد وضعه فقيه من حاضرة ودان يدعى سيدي محمد بن أحمد بن أبي بكر الحاجي الذي ذكر المؤرخون أنه كان حيا في سنة 933هـ/1526م.
ومن المذكور المعروف أن أحمد بابا التنبكتي نفسه - وقد أدرك أزيد من العقدين من القرن 11هـ/17م - شرح هو الآخر هذا النص شرحا كثر تداوله بين الفقهاء وأفادوا منه كثيرا.
أما في القرنين 11هـ/17م و12هـ/18م، فنجد عدة أعمال قيم بها على المختصر شرحا أو تعليقا أو طرة وأغلبها ما زال لحد الساعة مفقودا بل ذهبت الأيام بالجميع كالكثير من التراث الفقهي للمنطقة.
أما فيما بعد ذلك فقد تعددت الشروح والتعاليق على المختصر أو على بعض أجزائه، وبلغت من الكثرة على طول القرنين الماضيين ما يفوت الحصر حدا وعدا كما يمكن الاطلاع عليه من خلال التراجم التي أثبتنا لمجموعة المفتين في المجموعة الكبرى. فقد عددنا في هذا المجلد حوالي 60 شرحا للمختصر في هذه البلاد ما بين تعليق وحاشية وطرة وهي في أغلبها ما زالت مخطوطة.
وجل هذه الشروح لم تتجاوز شهرته دائرة أصحابه الأقربين، والقليل منها الذي انتشر بين المحاظر وتلقاه العلماء بالقبول وأفاد منه الطلاب. ويبدو أن من هذا الصنف الأخير شرح مُحمَّدْ والد بن المصطفى بن خالنا المعروف بين العامة باسم "المعين" و عنوانه الحقيقي هو: "شفاء الغليل وراحة العليل في شرح مختصر خليل" فهو من أهم شروح هذا المختصر وأكثرها قبولا في أوساط الفقهاء. ويظهر أنه كان منتشرا في كامل البلاد يدرس في عدة مناطق لأننا نرى الگصري بن مُحَمَّد بن المُختار بن عُثمان الإيدَيلبي (ت. 1233هـ) من أهل مدينة النعمه ينقل منه كما نجده مرجعا من أهم معتمدات الدرس والتدريس في محاظر ولاته ومنطقة إكيدي.
ويصف صاحب فتح الشكور معين والد فيقول إنه "شرح مختصر مفيد ينقل فيه من الخرشي وعبد الباقي". وعند النظر مليا في هذا الشرح نلاحظ بسرعة أن همَّ صاحبه الأكبر كان فك مستغلقات نص الشيخ خليل من خلال صياغة محكمة لما ورد في الشروح السابقة له واعتماد بالغ الأهمية على تدريس مشايخ عصره من أهل منطقته.
ويمتاز هذا النص بالدقة في التحرير والصرامة في اللغة مما يجعله يبتعد عن الركاكة في التعبير والخلخلة في الترتيب. فهو لا ينقل كلام الشراح والفقهاء كما هو وإنما يعيد ترتيبه وتصويبه وتحريره مما يجعل بناء الشرح منسجما وطلاوة عبارته بادية للعيان.
لذا نراه - وكما قال هو نفسه - يغني عن كثير من الشروح مع الوقوف عند المطلوب دون غموض ولا طي. خاصة أنه جمع روايات تدريس المختصر في هذه المنطقة على مدى قرون، مع كل ما صاحبها من تدقيق وتحرير وضبط وإكمال وساقها بشكل واضح.
فقد اعتمد المؤلف في شرحه أول ما اعتمد على ما كان يقدمه له شيخه الأمين بن أحمذ بن يحيى من شرح لهذا النص، وعلى تحريرات وتقريرات محمدالعاقل بن محنض كما اعتمد على الشروح المصرية خاصة الأجهورية منها التي يبدو أنها حديثة العهد إذ ذاك بالقدوم. فهو يذكر في مقدمة شرحه أنه اعتمد على عبد الباقي الاجهوري نفسه وعلى تلميذه محمدالخرشي.
ويبدو من صنيعه في هذا الشرح أنه يتوقف عند الأماكن التي تتسع فيها الفروع وخاصة ما يتعلق منها بالتبرك وفقه القلوب فيوليها اهتماما خاصا من النقاش والتعليق. انظر إلى قوله في صلاة الجماعة عند شرح قول الشيخ خليل: "ولا تتفاضل". فقد شرحها بفقرة طويلة إذا ما قيست بتعليقاته على عبارات النص الأخرى نحا فيها منحى تصوفيا وكذلك فعل عند قول خليل: "وتنفله بمحرابه"، فقد زاد عليها فقرة طويلة ترشح هي الأخرى بأحكام من فقه الإحسان جديرة بالاهتمام وقوية العلاقة بالفقه.
ثم إننا نرى أنه من الغريب كثرة استدلاله بالحديث في تأصيل الشرح وهذا أمر طالما طلبه العلماء والمتعلمون وخاصة في هذا العصر. فالمتتبع للشرح يجده يبالغ في إعطاء الدليل وقد يتبيَّن ذلك للقارئ أكثر إذا وضع للكتاب ثبت بألفاظ الحديث. ولذا يمكن أن نقول إن هذا الشارح كان سباقا لتعضيد الفروع الفقهية بالدليل. وهذه محمدة تذكر له وربما تضطرنا إلى إعادة النظر في التاريخ الثقافي للبلد ومنزلة علوم الحديث عند علمائه.
كما يذكر الشارح في بعض الأحيان الخلاف المذهبي والخلاف خارج المذهب وذلك هو الآخر محمدة جليلة في هذا الكتاب فنراه يقول مثلا عند قول المصنف: "وفصل مأموم بنهر صغير"، وحده الشافعي بثلاثمائة (300) ذراع بينه وبين إمامه ومنع أبو حنيفة كل فاصل".
كما يلتزم إيراد الشواهد النظمية للمسائل ذات التقاليب والأوجه الكثيرة مما يزيد من جلاء الشرح وقوة وضوحه وتوضيحه. بل ويذهب أحيانا إلى إيراد مقطوعات شعرية يأتي بها غالبا لبيان نكتة أو لغاية توضيحية: تاريخية أو تربوية.
ولاشك أن الشروح التي تعرضتْ للمختصر قد تفاوتتْ كثيرا في قوة الشرح التي من أهمها الاستدراك والتصويب .
وشرحُ محمد والد هذا من تلك الشروح التي تتبع أحيانا عبارات الشيخ خليل من حيث ما يبدو من مسائل غير دقيقة أو لا تفي بالغرض أو خارجة عن شرطه الصريح في اعتماد المشهور، فيقيمها تصحيحا وتصويبا أو استدراكا وتوجيها.
وفي الأخير فإن هذا الشرح رغم اختصاره غير المخل كثيرُ الفوائد سهلُ العبارة سهلُ الوصول إلى المتعلم، بل نرى من خلال معايشة له قصيرة أن الاستفادة منه تظهر سريعا على دارسه أو مطالعه وربما يكون ذلك مما عرف عن الشارح من بوارق وبركات، فهو مختصر نافع حقا، ويتميز بالإيجاز والتركيز، مع وضوح العبارة، وذكر الشواهد وتأصيل الفروع والجزئيات.
والله وليُّ التوفيق
Commentaires
Enregistrer un commentaire