لمرابط محمد سالم بن ألُمَّا اليدالي ورؤيا منامية عجيبة بالإمام مالك بن أنس رضي الله عنه..
لمرابط محمد سالم بن ألُمَّا اليدالي ورؤيا منامية عجيبة بالإمام مالك بن أنس رضي الله عنه..
التاريخ : الثلاثاء 7 ابريل 2026م ..
حدثني أخي في الله الأستاذ المختار الملقب اتّاه بن محمد شيخُنا بن أوفى المدير الأسبق للتعليم الثانوي قال : "حكى لي شيخي محمد يحظيه ولد الشيخ بَدِّي (ت 03 يوليو 1977م) أن شيخه لمرابط محمدْ سالم بن ألُمَّا رأى في المنام الإمام مالك فشكا له من ألم في بطنه يؤرقه....وأن لمرابط محمد سالم طلب من تلامذته تعبير رؤياه هذه ، فقال أحد نبهائهم - ولم يقل من هو - إن ذلك يعود إلى أن أهل هذه الأرض( القبله أو شنقيط أو المغرب العربي، لم يحدد ولم أسأله) سيتخلون عن مذهبه..واستقر هذا التأويل لهذه الرؤيا عند لمرابط محمد سالم"..
وقد ذكرتني هذه الرؤيا وتأويلها بيتيْن قلتهما في منتصف الثمانينات دعابة لبعض الأصدقاء أنشدتهما للأخ المختار بهذه المناسبة :
ما لقوم أصوليين بزعمٍ == عارض الفرع تالداً وحديثَا
مع جهل الكتاب جهلا تراهمْ == {لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا}
وأذكر والشيء بالشيء يُذكر أن المحضرة الشنقيطية (كتبتها بالضاد طبقا لرأي الأستاذ الخليل النحوي رئيس مجلس اللسان العربي ) كما هو معلوم هي ذلك الفضاء الثقافي المفتوح الذي تتعانق فيه العقيدة الأشعرية والفقه المالكيّ والتصوف الجنيدي السنِّي بانسجام عجيب وهو الثلاثيّ الذي درج علماؤنا الأجلاء على التعبير عنه باعتزاز متمثلين ببيت ابن عاشر المشهور:
في عقد الأشعري وفقه مالكْ == وفي طريقة الجنيد السالكْ
وكما هو مبسوط في المراجع التاريخية فقد انتشرت العقيدة الأشعرية في العالم الإسلامي بوصفها عقيدة سنية وسَطية معتدلة وسرعان ما امتزجتْ بالتصوف السني الذي هو ثمرة الامتثال والاجتناب مع صدق التوجه إلى الله. وبذلك أصبحت عقيدة عملية نتيجةً لتأثر صاحبها " إمام السنة والجماعة " أبي الحسن الأشعري (260 /324 هجرية) بنهج الإمام أبي عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي (170 / 243 هجرية) مؤلف كتاب " الرعاية لحقوق الله ".قال عنه الخطيب البغدادي: "أحد من اجتمع له الزهد وَالمعرفة بعلم الظاهر وَالباطن" وقد تتلمذ على يديه الإمام أبو القاسم الجنيد بن محمد (ت297ﻫ) شيخ صوفية بغداد وإمام التصوف السني رافع الشعار الخالد : " الطريق إلى الله مسدود إلا على المقتفين آثارَ رسول الله صلى لله عليه وسلم”.
قيل إن المحاسبي كان من الطبقة الثانية من أعلام التصوف التي جاءت بعد طبقة إبراهيم بن أدهم (ت161هـ) وسفيان الثوري (ت161هـ)، ورابعة العدوية (ت185هـ)، وأبي نصر بشر الحافي (ت227هـ) وقبْل طبقة الإمام الجنيد بن محمدْ التي هي الطبقة الثالثة .
قال بعض المختصين في المجال : "ولهذا السبب - يعني انتهاج الجنيد لنهج المحاسبي - نجد تلك الصلة الوثيقة بين العقيدة الأشعرية السنية، وطريقة الإمام الجنيد في السير والسلوك، والفقه المالكي عموما.وهذه المنظومة المتكاملة: العقيدة والتصوف الجنيدي والمعاملات، هي قوام الإسلام وأساسه، وهي كلها تصدر عن الشرع الحكيم المتمثل في الوحي المنزل: القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة".
و أقف هنا لأقول إن المنتهجينَ هذا النهج الثلاثي من أمة محمدٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم - و خاصة في موريتانيا- يُحسب لهم أنهم يحسنون الظن بجميع المسلمين ويحترمون لكل ذي رأيٍ مخالفٍ رأيه، ويلتمسون له أحسن المخارج في كل الأقوال والأفعال، ويباركون للمجتهدين من العلماء أجرهم في الاجتهاد وللمقلدين من المسلمين جزاءهمْ في الامتثال والاجتناب، ولكنهمْ في ما يتعلق بمصادر الشريعة الاسلامية ومقاصدها من القرآن الكريم و السنة النبوية الشريفة يُرجحون فهمَ أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي على فهم غيرهما من علماء التوحيد والعقائد الاسلامية، وفهمَ الإمام مالك بن أنس على فهم غيره من الفقهاء القدماء والمحدثون ، و فهمَ الجنيد بن محمد على فهم غيره من المتصوفة . وهم يتمثلون في ذلك كله بقول الشيخ أحمدْ أبي المعالي : " نحن نرجح فهمَ الإمام مالك على فهم غيره من المجتهدين"! وقول الشيخ التراد بن العبّاس (27 رجب 1304 هجرية - 21 ابريل 1887 م / 17 محرم 1365 هجرية- 22 دجمبر 1945 م) في بعض المخالفين في الرأي والاجتهاد :" إن كانوا على باطل فالحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهمْ به، وإن كانوا على حق فالحمد لله الذي أغنانا بحقنا عن حقهم "!
وانطلاقا من هذه المرتكزات الثلاثة ازدهرت الثقافة المحضرية في مختلف أنحاء البلاد وخاصة منها ما يتعلق بدراسة الفقه المالكي.فهذا المذهب الذي اكتسح الربوع المغربية وتفرد في المنطقة نتيجة لجملة من العوامل المعروفة تاريخيا، وجد طريقه إلى بلادنا بفضل الجهود الحثيثة التي بذلها أحد أقطابه هو الفقيه أبو عمران الفاسي مُلهم قادة الدولة المرابطية التي تبنتْ هذا المذهب مبكرا كمنطلق لنشر الإسلام على أنقاض الوثنية بدلاً من المذهبين الإباضي والشيعي الذيْن تذكر بعض المصادر أنهما كانا حاضرين في منطقة غرب وجنوب غرب الصحراء الكبرى.
وهكذا تركزت دعائم المذهب المالكي في هذه المنطقة وبدأ العلماء يدرسونه اعتمادا على نسخة ابن القاسم في رواية المدونة كما صاغها سحنون وذلك قبل أن يظفروا خلال القرن التاسع الهجري بضالتهم المنشودة ومرجعهم المفضل ألا وهو مختصر الشيخ خليل بن إسحاق.قال العلامة محمدْ والدْ بن خالُنا في مقدمة شرحة مختصر الشيخ خليل :" فلما كان العلم أشرف وأولى ما يتوسل به إلى المولى ، في الآخرة والأولى ، وكان علم الحلال والحرام أفضل ما يشتغِل به ذوو الأحلام، وأكرم ما يعتني به ذوو الهمم والإهتمام ، وكان مختصر الشيخ خليل بن اسحاق شاع وذاع في جميع الأقاليم والآفاق الخ …".وقال العلامة محمد العاقل بن العلامة محنض بن الماحي بن المختار اگدَ عثمان في قطعة له يجيب بها سؤالاً وجهه إليه العلامة محمد والدْ بن خالُنا :
وأما أقاويل الفحول التي ترى == سقوطا أو التخفيف بالوسع في الأمر
فلسنا إليها إنما مالكية == ندور مع المشهور في السهل والوعر !
وقال نجله العلامة أحمدْ بن محمدْ العاقل : " الحمدُ لله الذي منّ علينا ببعثة نبيّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، ثم بالتابعين ، ثم بتابعي التابعين ، حتى انتهتْ إلينا تلك الهداية بالوسائل التي لا مَحيدَ عنها كالمدونة وخليل وشُرّاحه بحيث يكون مَن استشكلها أو استثقلها أو استبعدها أو استغربها حائدا عن الطريق ، متمردا على الأحكام ما لم يحصل ذلك عن مسترشد"!
وقال شيخنا العلامة محمد فال (ابّاه) بن عبد الله في مقدمته البديعة لكتاب معين والدْ الديماني :[وقد اشتغل الشناقطة به منذ دخل بلادهم اشتغالا منقطع النظير في محاضرهم الجامعة والمتخصصة، وفي ذلك قصص ووقائع مأثورة ، وامتزج بحياتهم فقها وحفظا واستدلالا ، حتى سرتْ جملٌ من أبواب مختلفة في كلام العامة يوردونها أمثالًا مضروبةً قد لا يعرف بعضهم أصلها كقولهم : " ربُّ الدابة أولى بمقدَّمها" و " وإلاَّ بيعَ" و " فلا إشكالَ" مما يدلّ على شيوعه وانتشاره في ذلك العصر].
وتحدث أخونا الأستاذ يحيى بن البراء في توطئته لكتاب " المُعين " عن تعلق سكان هذه المنطقة بمختصر خليل فقال : [فقد رضي به أهلها عن سواهُ من كتب الفقه الأخرى ، سبيلا تبرأ به ذمتهم في الدين ، وتقليدا ممتثلا لشيوخه وأئمته ، متابعةً لأحمد باب التمبكتي المتوفى سنة 1036 هجرية في قولته المشهورة التي نقل عن ناصر الدين اللقاني المتوفى سنة 957 هجرية : " نحن قومٌ خليليون إن ضلَّ ضللْنا"].
وأعود إلى موضوع الرؤيا لأقول إن محمدْ يحظيه بن الشيخ بَدِّي - كما قال محدثي - "جاء إلى لمرابط وهو يافع ولازمه حتي موته وهو ممن غسله وجهزه ...ورأيتُ كتابات كثيرة للمرابط محمد سالم يقول فيها إنه أجازه في جميع منقولاته ومعقولاته".
قلتُ: ومصداقاً لمشاركة الشيخ محمد يحظيه في تجهيز شيخه لمرابط محمد سالم قال تلميذٌ ومريدٌ آخر هو الشيخ إبّوبا ولد ماهي اليدالي في كتاب : القبس الثاقب فى بعض ما لابنِ ألُمَّا من المناقب عن ظروف وفاة لمرابط محمد سالم : "وتوفي وقت الزوال يتلو كتاب الله العزيز وفى يده سبحة يذكر الله تعالى على عادته متهيئا لصلاة الظهر فما دلنا على وفاته إلا سقوط السبحة من يده الكريمة لأنه كان يسأل الله تعالى خفة الموت قال :
يا باذلَ المعروف مَوْتِيَّ شهيدْ == بلا تألُّمٍ مرادي يا مُريدْ
بجاهه صلى عليه اللهُ == وآلهِ وكلِّ من والاهُ !
وقد استجاب له وقيض له ابنيْه السيديْن التاه ومحمذن فال فدخلا عليه وغسّلاه وكفناه معهما: تلميذه البار الحاج محمد يحظيه ولد الشيخ عبد الله ولد أوفى.وصلى عليه التاه إماما ودفناه فى مقبرة تندكسمّ مع والده ووالدته وأُلحد القبر له رحم الله السلف وبارك فى الخلف عام 1383م وعاش 82 سنة وشهرين وليلتيْن رضي الله عنه وعنا به".
قلت: وقد سمعت شيخنا الشيخ گرّايْ بن أحمدْ يوره مرة يستحسن قول الشيخ محمد الحسن بن أحمدُّ الخديم في التأريخ لشيخهما لمرابط محمد سالم بن ألُمَّا :
بمطلع الشيخ الزمان (أشرقا) == و عاش (طائعا) و لله البقا
في (طِيب) شوال لدى زوالِ == جمعة سار لحفظ الوالي
و “أشرقا” بحساب الحروف هي 1301 ، و “طائعا” 81 و “طيب” 21 .رمز على التوالي لسنة ميلاده بالتقويم الهجري و عمره و يوم وفاته أي أنه توفي زوال يوم الجمعة موافق 21 شوال من سنة 1382 هجرية عن عمر قدره واحد و ثمانون سنة..
محمدن بن سيدي الملقب بدنَّ
رحم الله السلف وبارك في الخلف
Commentaires
Enregistrer un commentaire